.

من أقوال الراحل : إن من لا يصل فيه الحب لوطنه الصغير إلى درجة الاندماج الكلي في ترابه ، لا يستطيع أن يبني وطنه العربي الكبير .

بعض ملامح المستقبل ورؤية الحل ( حلقة سادسة )

بواسطة عمر صليبي في 11 ديسمبر, 2009

في الراهن السياسي العربي وملامح المستقبل

بعض ملامح المستقبل ورؤية الحل


الحلقة السادسة والأخيرة

المفكر عمر صليبي


ـ إذا كان هذا هو الواقع الراهن للأمة العربية نسبياً فما هي ملامح المستقبل العربي وآفاق النظرة فيه ؟ وما هي الاحتمالات التي قد تتحدد داخلياً أو خارجياً من أجل انتهاء الأرض العربية في فلسطين وتحويلها إلى أرض يهودية ؟ وكيف يمكن تحقيق هذا الاغتصاب إذا لم يتعاون الداخل العربي المهزوز أو المرتبط بالخارج الطامع بنهب الثروة عبر طرحه مسوغات وأفكار لا تمت إلى الحقيقة .

ـ إذا كنا قد ابتدأنا الحديث باستلاب الإرادة للمواطن العربي من قبل الأنظمة الحاكمة فيه واستعرضناه كتابع للمقوم البشري ، فإن ما يمكن أن نلحظه هو أن المقوم الثاني ( الأرض ) وإن كانت قد اتحدت بالشعب العربي ، ولكننا نتعرض إلى عملية غصب واغتصاب بينين معاً في هذا الراهن الأسود .

ـ إن فلسطين العربية التي لم نكن نساوم في طرح أي مقولة عنها سوى تحقيق حريتها ، قد تحولت فيها المواقف الفكرية لدى معظم الأنظمة العربية وأصبحت المساومات على الأرض باسم السلام الذي سيقود إلى الاستسلام إذا ما استمر العرب على ما هم عليه ، فالمطالبة بتحرير فلسطين بالكامل باتت مطالبة بجزء من أراضيها واقتربت مسافات اللقاء بين معظم القادة العرب وقادة بني صهيون .

ـ  هل باتت المطالبة بحقوق الشعوب خرافة وعنتريات كما يبرز في تعابير بعض الحكام ؟ وهل الوصول إلى الحرية هو نوع من الخرافة والأسطورة ؟ وهل عمليات الدفاع عن الحقّ والأرض باتت إرهاباً ؟

إذا كانت هذه المعايير التي نتساءل عنها صحيحة ، فمن الطبيعي أن نجد من يحارب العمل القومي ويطلب من حامليه الانسحاب إلى الخلف والتراجع وتحمل كل النتائج لأنه فكر مخالف للدين ؟..

ـ لنتصور مثل هذه المواقف …؟! ولنتصور أن يقف الدين في مقابل القومية ! ومتى كان الدين يتعارض مع القومية ؟ ولماذا مثل هذا الطرح في مثل هذا الوقت بالذات ؟ إن علاقة القومية العربية بالإسلام علاقة عضوية فلا هوية ولا شخصية للعروبة إذا ما استلب منها الإسلام أو ابتعدت عنه ، كما يتوجب علينا إن ندرك مدى العلاقة بين العروبة والإسلام التي هي تماماً كالعلاقة بين الروح والجسد ، فلا الجسد يحيا بلا روح ، ولا تتحرك الروح بدون الجسد على سطح الأرض ، وفي حقيقة الأمر إن أي وضع للعروبة في مقابل الإسلام أو وضع الإسلام في مقابلة العروبة هو إضعاف للعروبة والإسلام معاً ، وبالتالي نستطيع القول : إن التلازم والالتزام بين العروبة والإسلام وبيننا باتت ضرورة صحيحة ومستمرة ولا بد من تطويرها وتفعيلها والسير الدائب عليها .

ـ وبعد هل أفلست القومية ؟ وبالتالي عليها أن تخرج من التاريخ ؟ وهل عليها أن تحكم على مستقبلها وحاضرها بالموت من وجهة نظر من يطرح مثل هذه المقولات بصيغ وفهم وتحليل محدود ؟ هل عليها أن تعلن مسؤوليتها عن كل ما حدث في القرن العشرين وأن على التيار القومي أن يخلي الساحة (4) .

ـ إن الدارس لملامح المستقبل العربي من خلال ما نحن فيه من واقع يرى أن التوقعات المستقبلية تشير إلى :

أ ـ إمكانية قيام تسوية بين العرب والكيان الصهيوني من خلال أنظمتهما معاً ويعني هذا إلغاء حالة العداء المستقبلي مما سيؤدي إلى التطبيع مع العدو .

ب ـ ربما ستقود التسوية إلى إلغاء المبادئ القومية مثل ( الوحدة العربية ) لأن مثل هذا المفهوم يعرض دولة بني صهيون إلى الخطر وهو ما لا تقبله قوى اللوبي الأمريكي ـ الصهيوني مطلقاً .

ج ـ سوف تؤدي التسوية إلى استخدام دول الكيان الصهيوني كل إمكاناتها العلمية وخبراتها التجارية من أجل ابتزاز أموال العرب الباقية بوسائل وسبل وآليات متطورة وتطويرية عديدة .

د ـ سوف يترتب على هذا استبدال جامعة الدول العربية بجامعة شرق أوسطية تضم الكيان الصهيوني إلى جانب الغرب .

ل ـ وسيكون من جراء هذه الجامعة الجديدة إجراء عمليات تفعيل حقيقي لنظام السوق الشرق أوسطي وستكون دولة الكيان الصهيوني ضمنها وستضمن الولايات المتحدة الأمريكية لها المنعة والقوة .

ـ إن الواقع السياسي العربي الراهن يؤكد استحالة التقدم الحضاري للعرب إذا لم يتطور الخطاب السياسي الشمولي لديهم وذلك بالاستناد إلى الحوار الديمقراطي المنفتح على الآخر والمحترم له ، فأبناء الأمة العربية اليوم يتعرضون إلى أشرس هجمة إمبريالية ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين ، وما هذا إلا لكي تبقى الأمة ممزقة لا إرادة لها ولا قوة ، ولتستنزف مواردها وخيراتها وفي طليعتها النفط .

ـ وإذ لا نشك مطلقاً في حيوية الأمة العربية وقدرتها على النهوض ، فإن المستقبل الذي نريد له أن يكون سوياً وقادراً على تجاوز كل الوقائع غير الصحيحة ، لا بد أن يكون من صنعنا نحن ، وبإرادتنا نحن ، ووفق نهج ومنهج نحن الذين نحدده ، وبالتالي لا بدّ لنا من أن نتوحد مع منطلقاتنا وأفكارنا بحرية وديمقراطية عالية ، في البعدين الذاتي و الموضوعي ، الخاص والعام ، القطري والقومي معاً  وعلينا أن ندرك أن قيام الوحدة الديمقراطية على أسس علمية ومنهجية سوية تظل هي الحل الأمثل للوطن والأمة .

ـ ولقد ثبت للقاصي والداني ، السياسي وغير السياسي ، والمثقف وغير المثقف أن الوطن العربي الذي هو ملك للجميع ولديه القدرة على احتواء الجميع فلا بد من مشاركة الجميع في رسم سياسته وأسس تطوره السليم ، وهذا يستدعي حشد كل الطاقات العربية من أجل البناء .

ـ وحيث أن الديمقراطية هي الممارسة الواعية للحرية ، فلا بد أن تكون الديمقراطية واقعاً ممارساً وتدريبياً يبدأ من الأسرة إلى المدرسة فالمنظمة لينتشر في كل المجالات والآفاق وهذا ما يسمح لنا بوعي عميق أن نحدد المنطلقات الإستراتيجية والتكتيكية بشكل متكامل ومنظور عميق وتظل العمليات العقلانية في السعي الدؤوب لتحقيق الحد الأدنى من التضامن العربي أسلوباً أول من أجل الوصول الصحيح إلى الهدف الأكبر هدف الوحدة العربية الديمقراطية .

ـ إذا كانت الوحدة حلمنا جميعاً ، فعلينا أن نرى في الوحدة هدفاً متجدداً وحيوياً له دوره في هذه الظروف أكثر من أية ظروف أخرى ، والوحدة الوطنية على مستوى القطر هي الدرع الواقعي من عمليات تجزئة التجزئة القادمة علينا بقوة وسرعة ، وأن هذه الوحدة الوطنية هي المنطلق الأكبر نحو وحدة الشعب العربي من  محيطه إلى خليجه ، وبقناعتنا أن هموم الشعب العربي واحدة وتتناقض نسبياً وفعلياً مع قناعات وهموم معظم القادة في الساحة العربية ، وتظل الديمقراطية هي الوعاء السليم الذي تسكب فيه كل الممارسات الهادفة للبناء العربي المستقبلي .

المفكر عمر صليبي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ـ آلفين توفلر ـ تحول السلطة بين العنف والثروة والمعرفة ـ ليبيا 1999م ـ دار الجماهير للنشر   ص 33 ـ 34 .

(2) ـ بيكون ـ عالم إنكليزي عمل بالسياسة وتسلم عدة مناصب في القرن السابع عشر .

(3) ـ كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية ـ خطاب 12/12/2002 .

(4) ـ مجموعة من الباحثين ـ الدكتور علي عقلة عرسان وزملائه ـ العرب وتحديات المستقبل ـ اتحاد الكتاب العرب منشورات عام 2002 ـ دمشق ص 7 ـ 35 لمزيد من الإطلاع .

(5) ـ أحمد الحاج علي ـ حوار ـ 2004

أضافة تعليق

   

 
   


جميع الآراء المنشورة تعبر عن وجهة نظر كاتبها باستثناء ما يرد عن الإدارة

Copyright © 2010|| جميع الحقوق محفوظة لموقع الباحث والمفكر والأديب الراحل عمر صليبي

تركيب وتطوير محمود عمر صليبي

تعريب