.

من أقوال الراحل : إن من لا يصل فيه الحب لوطنه الصغير إلى درجة الاندماج الكلي في ترابه ، لا يستطيع أن يبني وطنه العربي الكبير .

في الراهن السياسي العربي وملامح المستقبل

بعض أبعاد المشاريع الأمريكية في المنطقة

حلقة خامسة

المفكر عمر صليبي

ـ إن عدم تمييز المكونات العربية في الهوية القومية بشكل سليم من قبل الأمريكيين وعدم قدرة الأمريكيين على الفصل بين مكونات العرب والمكونات الأمريكية في مسألة الهوية والانتماء ، هي التي قادتهم للوقوع في الأخطاء والأغلاط المتكررة ، فقد بني مفهوم المواطنة عند الأمريكيين بفعل جملة من الظروف التي قادتهم إلى تكوين دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، فالآباء المؤسسون الذين صاغوا الدستور الأمريكي بعد نجاح الثورة فيها وقفوا مطولاً عند موضوع المواطنة ، ولسنا بصدد بحث ذلك مفصلاً بهذا الموقع ، فالمواطن الأمريكي يحدد انتماءه دينياً وبشكل علني ، والإجابة لديه جاهزة عند السؤال عن هويته التي يجيب عنها بالقول : { أنا بروتستانتي أو كاثوليكي أو بوذي } في الولايات المتحدة الأمريكية من منطق الارتباط الوطني بالمكان لذلك هم يرفضون ما غيرها .

ـ أما المواطن العربي فلديه هوية عرقية توحده مع كل ما هو عربي وهوية دينية تربطه بالعروبة سواءً أكان مسلماً أم مسيحياً أم يهودياً فالمسيحيون في وطننا هم من العرب ولكنهم فرنسيون أو برتغاليون أو هنود في الولايات المتحدة الأمريكية وهذا مضمون فكري ، وكذلك هو الأمر بالنسبة للشيعة والسنة ، فهم عربٌ ومسلمون ، وكذلك الأرثوذكس والكاثوليك هم عرب ومسيحيون ، والعروبة عندما التزام ، والأمركة انتساب ، ومع هذا فإن إثارة الطائفية هي أقسى ما يمكن أن تبنى عليه ملامح المستقبل العربي الذي يراد له تجزئة التجزئة .

ـ في ظل هذا الواقع الراهن والسلبي تتزايد السلبيات ومن أهمها فقدان العرب للسيطرة على مواردهم ، ومعظمهم بات غير متحرر من الهيمنة على            قراره ……. إن الشعوب التي تفقد السيطرة على قراراها تفقد السيطرة على كل شيء ومن هنا يمكننا القول وببساطة : إن مفهوم السيادة الآن هو غير ما كان عليه سابقاً ، فالسيادة اليوم تعني : مدى القدرة لهذه الدولة أو تلك على التحكم بمواردها وآلية تحريكها وتوظيف الناتج عنها ، وهذه السيادة قد اخترقت حالياً وبشكل كبير في عالم العولمة المعاصر والذي يعمل جاهداً من اجل إلغائها عند شعوبها ، واستخدامها من قبل المهيمنين الغربيين .

ـ إن العقود الأخيرة من القرن العشرين والتي كانت فيها مبادئ السيادة واضحة نسبياً قد تهللت مضامينها بفعل انهيار سياسة التوازن الدولي وانعكس ذلك على الواقع السياسي العربي بفعل التنازلات عن مبدأ السيادة الوطنية لصالح السيادة القومية ، مما نتج عنها تحديد موقع فاعل نسبياً في الساحة العالمية ، أما الآن فإن أهم ما يمكن تحديده هو تفتيت المصالح القومية وبالتالي تفتت مبدأ السيادة معها لصالح الدولة القطرية ، فارتهن القرار السياسي العربي وصرنا أمام قرارات وهمية لا تطبق ، كما ظهر جليأً النكوص السياسي المبدأي بفعل حالة الاتصالات القطرية العربية مع الكيان الصهيوني ودولته ، فكانت عمليات اللقاء الاقتصادي وإجراء المناورات العسكرية والتبادل الدبلوماسي بمبرر وبلا مبرر ، وما المؤتمرات الاقتصادية التي جرت في الدار البيضاء وعمان ودبي وغيرها إلا أهداف اقتصادية حتماً ، ولكن كانت الأبعاد النفسية فيها أقوى من كل شيء والتي تمثلت  في المحاولات الدائبة لكسر الحواجز النفسية والسياسية بين العرب والصهاينة .

ـ لقد بتنا نسمع ونشاهد المحاولات الدائبة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومن معها ، والهادفة إلى تجزئة التجزئة ولعلنا أشرنا إلى مخططاتها منذ عقد وأكثر ، وهاهي عمليات التكريس الفعلي لمخططات { عوديد بينون الصهيوني ، وبريجينسكي الأمريكي الصهيوني } ترتسم بجلاء وليس لنا إلا الوصف لما هو قادم فماذا يعني هذا ؟

ـ لقد وضع للعراق مخطط يقسمها إلى عدة دول ، وإذ لا نلحظ مرحلياً تقسيمٌ واضح في العراق بسبب حاجة الدول الثمانية الصناعية للعراق موحداً ، إلا أن المستقبل سيقود إلى مثل هذا الأمر الذي لا نرغبه ، ومطروح أيضاً تقسيم سورية إلى خمس دول والسعودية إلى ثمانية فما العمل ؟ وما هي السياسيات الأمريكية المطروحة على ساحتنا ؟ وما أسباب الاختلال الأمني العربي وكيف نعالج هذا الاختلال ؟ ما ملامح المستقبل يا ترى ؟ .

ـ في إعلان مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة الأمريكية والشرق الأوسط الذي قدمه كولن باول يوم 12/12/2002 قال وزير الخارجية الأمريكي : { علينا أن نوسع تعاطينا مع المنطقة إذا كان لنا أن تحقق نجاحاً ، وعلينا خصوصاً أن نوجه اهتماماً متواصلاً  نشيطاً إلى الإصلاح الاقتصادي والسياسي والتعليمي }(3) .

ـ ولعلنا نشير قبل تحديد دوافع التغيير من خلال الخطابات الأمريكية الأخرى على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش الثاني والمتكررة إلى أن السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع مسائل كلية لا يمكن الفصل بينها مطلقاً حتى على المستويات الرسمية ، ومن هنا نؤكد أن دوافع التغيير في ساحتنا العربية إنما جاءت بفعل جملة معطيات أهمها :

أ ـ هيمنة روح الإمبراطورية على السياسة الخارجية الأمريكية منذ الثمانينيات من القرن المنصرم .

ب ـ تنامي المشاعر الوطنية الأمريكية ، وروح الغطرسة بفعل بروز المحافظين الجدد وسيطرتهم على الساحة السياسية الأمريكية .

ج ـ نمو النزعة العسكرية والميل لاستخدام القوة لفرض نظامها الأحادي على العالم .

د ـ أحداث الحادي عشر من أيلول التي ابتدعها العقل الأمريكي المحارب وزلزلت الرؤية الأمريكية لذاتها ولدورها العالمي .

ـ ومن خلال هذه الدوافع ندرك مدى التحولات التي تسيطر على الرؤية الأمريكية لذاتها ولدورها العالمي ، أما منعكسها على الساحة السياسية العربية فإن السياسة الأمريكية اتجاه الوطن العربي مجدداً تقوم على جملة من الأسس أهمها :

أ ـ التواجد المباشر في المنطقة صوناً لمصالحها ، وهذا يعني أنها لن تعد بحاجة لوكيل عنها في المنطقة ، ولكنه لا يعني الاستغناء عن دولة الكيان الصهيوني .

ب ـ إن المنطقة العربية مطالبة بتغيير سياسياتها وثقافاتها واقتصاداتها ، وهذا التغيير يشمل كل النظم السياسية العربية المؤيدة وغير المؤيدة للولايات المتحدة الأمريكية.

ج ـ إن هدفها في عملية التغيير السياسي والاقتصادي ناتج عن قناعتها بأن التغيير لا يأتي من خلال وجود الكيان الصهيوني بل من طبيعة الأنظمة العربية وعلاقاتها مع دول الجوار .

د ـ لم تعدم الولايات المتحدة الأمريكية الحجة بعد احتلال العراق من متابعة محاولاتها بدأب كيّ تتدخل في شؤون البلاد العربية الأخرى تحت صيغ مختلفة مثل ( الإرهاب ـ الإسلام السياسي ـ الأسلحة بأنواعها ) .

هـ ـ ستبقى دولة الكيان الصهيوني الحجر الأساس الموثوق في المنطقة عند الأمريكيين ولهذا سوف تدعمها بدون قيد أو شرط .

ـ إذا كان هذا الواقع لم يأتِ من فراغ ، فإنه لا بدّ من الإشارة إلى أن بدء عمليات الاختراق للأمة العربية كانت قد ابتدأت منذ أربعة عقود تقريباً ، كيف ؟ .

ا ـ لقد تمّ الاختراق الأول للأمة العربية منذ عام 1967م أمنياً ثم تلاه النصر العربي في عام 1973 إثر حرب تشرين التي حققت استرداداً لجزء من الكرامة العربية التي امتهنت عام 1967 م .

ب ـ وكان خروج مصر عن الصف العربي عام 1978م هو الاختراق الأمني الثاني للعرب فبخروجها بدأت الأسوار النفسية بين العرب والكيان الصهيوني بالتهدم وبدأت المواقف العربية بالاهتزاز وشكل هذا اهتزازاً ثالثاً واختراقاً جسيماً .

ج ـ أما الاختراق الرابع فقد كان إثر حرب الخليج الثانية التي ساهمت بها أنظمة عربية عدة من اجل إسقاط العراق .

د ـ أما بعد عام 1991م فقد تم اختراق العرب بأكثر من موقع وأكثر من جهة مما أفقدهم الحدّ الأدنى للتضامن العربي .

يتبع بالحلقة السادسة والأحيرة

المفكر عمر صليبي

أضافة تعليق

   

 
   


جميع الآراء المنشورة تعبر عن وجهة نظر كاتبها باستثناء ما يرد عن الإدارة

Copyright © 2010|| جميع الحقوق محفوظة لموقع الباحث والمفكر والأديب الراحل عمر صليبي

تركيب وتطوير محمود عمر صليبي

تعريب