.

من أقوال الراحل : إن من لا يصل فيه الحب لوطنه الصغير إلى درجة الاندماج الكلي في ترابه ، لا يستطيع أن يبني وطنه العربي الكبير .

المشكلات السياسية العربية ( حلقة رابعة )

بواسطة عمر صليبي في 11 ديسمبر, 2009

في الراهن السياسي العربي وملامح المستقبل

المشكلات السياسية العربية

الحلقة الرابعة

المفكر عمر صليبي

ـ لقد أنتجت اتفاقيات سايكس ـ بيكو هذه التجزئة ، ولكن اتفاقيات سايكس بيكو الجديدة لم تعد تقبل بما تكرس من تجزئة ، بل إنها تبحث عن تجزئة للتجزئة مجدداً في أراضينا ، فلم يعد مقبولاً لدى صناع القرار الأمريكي ـ الصهيوني بقاء الوطن العربي مؤلفاً من اثنتين وعشرين دولة ، بل هم يطمحون إلى مضاعفة هذا العدد في القرن الحادي والعشرين على الأقل ، ولعلنا أشرنا في نهاية العقد الأخير من القرن الماضي إلى ذلك حين قلنا : ربما تكون مهمتنا في القرن الحادي والعشرين كمثقفين وسياسيين ومناضلين شرفاء هي المحافظة على الدولة القطرية بعد أن فشلنا في حلّ مشكلة التجزئة لدينا ، وإن كنا وسنبقى نناضل من أجل حرية وعدالة ووحدة وطننا العربي الممتد من المحيط الأطلسي وحتى خليجنا العربي .


وإذا كانت الوقائع كذلك فإن المهمة الأساسية التي تقع علينا كسياسيين ومثقفين في هذه المرحلة على الأقل هي تسليط الأضواء على المخاطر والثغرات ، وإثارة   الهمم ، وتعبئة الشعب للكفاح ضدّ ما لا يرضينا للوصول إلى ما يرضينا فلا بد من الاعتراف بأن هذا الأمر يتطلب المزيد من الجهد المبذول من قبلنا نحن أبناء الشعب العربي على مختلف انتماءاته الدينية والأممية اليسارية والقومية والوطنية الهادفة إلى الدفاع عن المواطن والوطن وبالتالي فإنها تقع على كل من يحب الوطن من الأصحاء ، ذلك أنه غريزيٌ حب الوطن عند الشرفاء ، فقد بتنا نرى سيطرة أصحاب المصالح الضيقة أكثر تأثيراً في الواقع بفعل النظام السياسي العربي السائد في الساحة العربية .

ـ إن الوضع الذي تجذرت فيه الروح القطرية وتكاثرت فيه الصراعات وتوهم بعض حكامه أن بإمكانهم أن يكونوا فاعلين وأقوياء دون ارتباطهم بالأمة قد أدى إلى بروز وقائع غير مرغوبة وصعبة التغيير ما لم تتوحد القوى الشعبية وطنيناً وقومياً من أجل محاربة هذه الظاهرة بكل أساليب القوة الدافعة للتقدم وليس التدمير .

ـ وإذا كان من السهل الحكم على الأشياء من رؤيتها بالعين المجردة فمن السهل القول : إن الكيان الصهيوني يكبر في الساحة العربية يوماً بعد يوم ، وها هي الحكومات العربية تشتبك مع بعضها بعضاً ، لا بل أن حالة التحول المزري قدّ سمحت لكل من كان يخفي علاقاته بالكيان الصهيوني من الحكام والملوك والأمراء وأصحاب السيادة وذوي الأموال أن يبرز علاقاته علناً مع الكيان الصهيوني مستغلاً بإفراط وتفريطٍ واعيين مفاهيم الديمقراطية وحقّ الحرية ومبدأ السيادة والعلنية والشفافية إلى غيرها من المصطلحات التي أباحت تهتك القيم باسم القيم ، فباسم الديمقراطية تنتهك الديمقراطية ، وباسم السيادة يطأ بعض الأسياد على رؤوس الشعب المناضل من أجل رضا سادتهم عليهم ، فعن أية ديمقراطية نتحدث ، وعن أية سيادة نتحدث إذا كانت السيادة والحرية والعدالة والمساواة باتت مفاهيماً لتدمير الأمة التي سنعمل معاً من اجل بقائها ورفض معادلات الغرب والشرق الهادفة إلى إخراج العرب من التاريخ ، ومما يؤسف له أيضاً هو تحول حالة الصراع من   عربي ـ صهيوني إلى صراع عربي ـ عربي ، ووئام حكومي عربي ـ صهيوني .

ـ إن تفجر العنف في هذا القطر أو ذاك قد استنزف مواردَ وأنفسِ كثيرة  لو وظفت في سبيل الأمة لكان الوضع العربي الراهن غير ما هو عليه الآن ، ولقد أدى هذا العنف فيما أدى إليه إلى تهديدٍ صارخ للهوية والشخصية الوطنية والقومية ، كما يحدث الآن من اختلاق للصراع بين قوى المقاومة في فلسطين ، والذي يتطلب موقفاً عقلانياً ووطنيناً خالصاً لما فيه من اندثار للأمة وهويتها ، لأنه عندما تطمس الهوية القومية فإن الشخصية القطرية لا تستطيع أن تقف في وجه ما يزحف على جسد القطر من أمراض قبلية وطائفية وبدوية وعشائرية وغير ذلك .

ـ يتوهم كثيراً منا أن العشائرية قد انتهت وأن الطائفية قد اندثرت فمن اوجد تفاعلاتها سيظل قادراً على تهيئتها ، وكشف الرماد عن وجهها متى يريد وبالصيغة التي يريد وهو ما نراه الآن متجسداً واقعاً في العراق ، بعد أن هيأ البريطانيون والأمريكيون الأجواء الكاملة لها لتعود كما أنشأها البريطانيون والفرنسيون والإيطاليون في ربوع ساحتنا العربية في مطلع القرن العشرين ، حين اقتضت مصالحهم مثل هذا التكوين ، وطمسنا معالمها بعقلانية وعلمية عالية بعد حصول أبناء العراق على حريتهم من الاستعمار ، وعاد الغربيون ليثيروا غبارها تحت قانونهم الديمقراطي الذي يفعلونه في أي منطقة يريدون الاستفادة منها ، وينحرونه في بلادهم كما نحر الأمريكيون الديمقراطيون حركة الزنج الأخيرة عندهم ، والأهم من هذا وذاك هو تحول حالة الصراع الطائفي إلى حالة إقصاء لبعض الطوائف من مواقع بعض الطوائف الأخرى وتهجيرهم من مناطق سكناهم التي عاشوا فيها سنين طويلة بفعل عناصر القوة والعقل والعقلانية السابقة التي جمعتهم معاً من أجل بناء الوطن ، وعادوا ليتفرقوا بتأثير الانتقام الناجم عن عمليات التدخل الأجنبي وتحريضهم للطائفية والعشائرية باسم الديمقراطية ، وباسم الوطنية والمواطنة .

ـ إن أهم ما نخشاه و ما يمكن أن نواجهه في المستقبل القريب هو انتقال هذه التجربة العراقية إلى مختلف مواقع الساحة العربية ، والمتطلع الآن إلى هذه الساحة تبدو أمامه بجلاء منطقة كرد فان ودارفور السودانية ، وما سبقها في الجنوب السوداني ، وما سيلحقها في شرق ووسط وشمال السودان حتى التمزيق ، تحت قانون المواطنة ، وغيرها من المناطق العربية التي سيمتد عليها هذا القانون سواءٌ أكنا في الجزائر أم في المملكة المغربية ومصر وليبيا وسورية حتى ، وما أحداث الصراع بين الأقباط والمسلمين في الإسكندرية المصرية ، إلا مقدمات لتمزيق مصر إلى ثلاث دول هي : { مصر البيضاء في الشمال وحتى الفيوم جنوباً ، ومصر القبطية من الفيوم وحتى شمال أسوان وامتداداتها نحو الشمال الغربي إلى الإسكندرية ، ومصر السمراء جنوباً حتى أعالي النوبة } كما يأملها الغرب على الرغم من استسلام الحكم لكل الفضاءات الأمريكية والصهيونية .

يتبع الحلقة الخامسة

الباحث عمر صليبي

أضافة تعليق

   

 
   


جميع الآراء المنشورة تعبر عن وجهة نظر كاتبها باستثناء ما يرد عن الإدارة

Copyright © 2010|| جميع الحقوق محفوظة لموقع الباحث والمفكر والأديب الراحل عمر صليبي

تركيب وتطوير محمود عمر صليبي

تعريب