.

من أقوال الراحل : إن من لا يصل فيه الحب لوطنه الصغير إلى درجة الاندماج الكلي في ترابه ، لا يستطيع أن يبني وطنه العربي الكبير .

بعض السمات السياسية العربية ( حلقة ثالثة )

بواسطة عمر صليبي في 11 ديسمبر, 2009

في الراهن السياسي العربي وملامح المستقبل

بعض السمات السياسية العربية

حلقة ثالثة

المفكر عمر صليبي


ـ ثمة سمةٌ أخرى برزت في الساحة السياسية العربية بفعل حالة التبدل الكوني الذي قادته ولا تزال الولايات المتحدة الأمريكية وهي فكرة الإصلاح السياسي التي لا يمكن لنا ولا لأي عاقل في الدنيا أن ينفيها ، لما فيها من حالة حركية دافعة للشعوب والدول العربية للتطور ، وإفساح المجال للجميع في المشاركة البناءة في مسيرة الدولة القطرية ، ولكن السلبي في فكرة الإصلاح أنها تأتي بصيغة قسرية ، وتحت كلمة حق أريد بها باطلٌ ، فليست عملية الإصلاح القسرية حقيقة تريد دفع الدول نحو التقدم والإضطراد ، بقدر ما تريد من خلال عمليات الإصلاح إلى تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ بهدف إضعاف الدولة لا تطويرها ، ذلك أن الديمقراطية المبنية على الوعي أساساً ، لا تقبل أن يمارسها غير الديمقراطيين ، وواقع الحال يدعونا لمزيد من التأمل والتروي ، على الرغم مما نحن بحاجة إليه فعلياً في معظم الساحة العربية السياسية ، ومما يؤسف له أن بعض الأحزاب ، وبعض الطوائف ، وبعض المنتفعين ، وبعض الحاقدين راحوا يلجأوون إلى الاستقواء بالخارج على حساب الداخل ، باسم الديمقراطية المزيفة ، والتي لا يريدون منها إلا الوصول إلى الحكم ، وتنفيذ مآربهم السياسية حتى ولو كانت على حساب الوطن .

ـ إن عملية البناء السياسي الحقَ تستوجب القيام بمواقف حقٍ داخلية يكون فيها الشعب والوطن هو الأساس ، كما تكون فيها قوانين الحرية والكرامة والعدالة والتكافؤ سبيلاً لبناء الوطن والشعب معاً ، وفي مثل هذه الحالة لا بد من التفاعل مع الخارج وفقاً لمبدأ السيادة والتطور والتطوير ، وربط الداخل بالخارج من أجل التقدم وللتقدم فقط  .

ـ وإنه لمن الطبيعي القول أن الإنسان بما هو غاية بحدّ ذاته ، فإن الإنسان العربي يبدو بجلاء ووضوح حتى لمن هو ضعيف الإدراك ، وقد تكبل بسلاسل حكامه في معظم الساحات العربية ، وأن تحرير وطننا العربي لا يمكن أن يتحقق ما لم تطلق الطاقات الإبداعية والنضالية لديه لتتكون الحالة القادرة على الدرء والدفع والتغيير ، ذلك أن التحرير في مضمونه الكلي لم يعد مقصوراً على تحرير الأرض المغتصبة من قيود الاحتلال أو التقسيم ، بل بات يشمل الحرية كمضمون وفهم كلي للأبعاد والصعد على مستوى الأرض والإنسان .

ـ ربما كانت المشكلة  التي تحتل المرتبة الأولى بين المشكلات وتتربع على صدورنا وتضغط على أنفاسنا هي مشكلة غياب الديمقراطية ، فغياب الديمقراطية يقف على رأس قائمة مشكلات الوطن العربي ، وذلك أن الديمقراطية بما هي الوعي في ممارسة الحرية بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، هي المفتاح الرئيس لكل الأبواب المغلقة والتي تؤدي بالنتيجة حتماً إلى الوصول للقضايا المعاشية وقضايا التحرير وقضايا السيادة والكرامة العربية ، ومن هنا يمكن القول : إن الديمقراطية هي الوسيلة الوحيدة المتاحة لتحقيق الولوج لأحلامنا في الحرية والوحدة و العدالة الاجتماعية  .

ـ إن حرية التفكير والمعتقد والمذهب والرأي هي من الحقوق المشروعة والمطلوبة للشعب حتى يتمكن هذا الشعب من التقدم ، وأن التطابق الكلي بين هذه الحرية الحقيقية المدافعة عن الوطن والإنسان لا بدّ لها من الممارسة الواعية أيضاً وبما يحقق للشعب هذا التقدم بفاعلية عالية ، والمتطلع إلى صحف وإذاعات وآراء المثقفين في الساحة العربية يجد ما يبهره حتماً ولكنها في الغالبية العظمة تنطق بلغة حكامها ، وتبتعد عن قول الحقيقة الكاملة ، لأنهم يعرفون جيداً أن الرأي المخالف للحاكم يعني السجن في أبسط الصور وقد يقود إلى الموت الزؤام ، ومن هنا يبدو الراهن السياسي بأمس الحاجة إلى حرية الكلمة التي تعتبر في المقياس العام الديمقراطي هي المقدمة الأولى للفعل الديمقراطي الصحيح ، فلا بدّ من صحف جريئة ، ولا بدّ من رأي سليم وغير سلطوي ، ولا بدّ من فعل عضوي للمثقفين الذين يدركون تماماً أن مهمتهم الأساسية ليس في تنوير الشعب وتثويره على كل ما هو غير صحيح بل وقيادته والسير معه جنباً إلى جنب ، ومع قيادته في حالة من التطابق الكلي ، وهذا لا يمنع مطلقاً أن يترابط الثقافي في السياسي ، فكل شعوب العالم المتقدمة سمتها الأولى التطابق بين رأي الحاكم والمثقف والشعب وهو المأمول للتطور المنشود للأمة العربية .

ـ ولا بدّ من معالجة جملة من المشكلات التي تواجه الراهن العربي السياسي كذلك بفاعلية عالية ، ووطنية زائدة ، وفعل يكون فيه الخدمة العامة للشعب والوطن هو الغاية والوسيلة البناءة للتقدم نحو الأمام ، حتى يتمكن العرب من مواكبة حركة السير العالمي العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية الهادفة إلى عدل عالمي للشعوب والأوطان ، وليس إلى عولمة طاغية تهدف إلى هدم الشعوب وثقافاتها من أجل ابتزاز واستلاب ونهب ثرواتها وتحقيق ربحها الذي لا هم للإمبريالية المتوحشة المعاصرة هدفاً يعلو عليه ، ومهما تعددت أقوالها في نشر الديمقراطية والحرية ومحاربة الإرهاب فإن هدفها الأول والأخير تحقيق الربح المالي أولاً ، ولمقاومة ذلك لا بدّ لنا من استعراض بعضٍ من مشكلاتنا السياسية الراهنة في جانبها الآخر .

ـ إن التجزئة التي حلت بأرض العرب منذ الربع الأول من القرن العشرين والتي شكلت واقعاً قطرياً فيما بعد يصعب التخلص منه دون تحقيق جملة من الشروط الموضوعية التي عملنا بدأب ضمن مفاهيمها وناضلنا منذ أكثر من نصف قرن ، ولم نحصد منها سوى تكريس التجزئة تسمح لنا بالقول : إن النظام العربي يكاد يكون قد أخفق تماماً في تحريك أعضائه المتعددة للوقوف صفاً واحداً ضدّ العدوان الذي يتهددنا والمتمثل في الاعتداءات الصهيونية المتكررة ضدّ بعض الدول العربية ، وما تمخض عنه الآن من عمليات غزو خارجي منظم ضدّ العروبة والإسلام .

يتبع في الحلقة الرابعة

المفكر عمر صليبي

أضافة تعليق

   

 
   


جميع الآراء المنشورة تعبر عن وجهة نظر كاتبها باستثناء ما يرد عن الإدارة

Copyright © 2010|| جميع الحقوق محفوظة لموقع الباحث والمفكر والأديب الراحل عمر صليبي

تركيب وتطوير محمود عمر صليبي

تعريب